... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
سلالات فنية يحتضن بعضها البعض الآخر: هل كنت لي خصما؟

فاروق يوسف

تاريخ النشر       26/11/2008 06:00 AM


 يبدو لي أن قاعة (نبض) وهي أحدث القاعات الفنية في العاصمة الاردنية عمان قد قررت أن تكون نافذة على الفن العربي، لذلك بدأت نشاطها بمعرض يحمل العنوان الذي يشير إلى هدفها. المعرض الذي يضم أعمالا لخمسة عشر فنانا من سبعة بلدان عربية لا ينتمي إلى نوع المعارض التجميعية، ذلك لأن رجاء منظميه يكمن في محاولة نقدية تذهب إلى التقاط الخيط الخفي الذي يشد تجارب الفنانين العرب الطليعيين، بعضها إلى البعض الآخر ليهب الفن في هذه المنطقة من العالم نوعا من الخصوصية.

هو احتفاء بتجارب فنية مكرسة، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى تأسيس قاعدة في النظر إلى جوهر ذلك التكريس لا إلى هالته. ما يقال عن أي معرض جماعي لا يمكن أن يقال عن هذا المعرض. وهو ما لا يعبر عن خبرة الفنانين المشاركين بل عن رغبة القاعة في أن يكون لها موقف مزدوج: من الفن ومن وظيفتها في الآن عينه. لا يزال الوقت مبكرا لحكم من هذا النوع. جملة اعتراضية مريحة يمكنها أن تشاركنا التنفس في فضاء صار يضيق.

كان السؤال دائما يتعلق بأصالة تسمية من نوع (الفن العربي). منذ عقود ونحن نحاول الإجابة. وكانت الإجابات تحضر دائما ممزوجة بطعم السياسة ومن خلفها العقائد. لا يرى الآخر ما نراه في فننا.
كان الكثيرون يقولون ذلك. ولكن هل يقع الخلق الفني من أجل إرضاء الآخر الذي لا يرى فينا سوى كائنات فلكلورية ولا يرى في حضاراتنا العظيمة المتعاقبة إلا نشاطا بدائيا مهد لولادة الحضارة بمفهومها العلمي مع الإغريق. عانى الفنان العربي ولا يزال غصة النظر إلى جهتين: جهة يجسد وجهها الجمالي حرية ملغزة وجهة أخرى لا تهبه إلا ما يقيد حركته بها.
جهتان مثلتا مفهومين افتراضيين: التراث والمعاصرة. وهما مفهومان لا يعبران في حقيقتهما (كما أرى) عن حراك المعنى وعمق الحيرة إزاءهما. كان أملنا عميقا أن نفك الاشتباك لنرى في ما نفعل مرآة لسبل العيش المتخيل في عالمنا. وكما أضاعت السياسة اشياء كثيرة من وجودنا فقد القت بهذا السؤال في متاهة، لن تكون حكايات الناجي منها سوى مرايا لعالمنا العتيق. حتى صمت الجميع ولم تعد صورة الفن العربي تعني أحدا من الفنانين. (نبض) تستعيد السؤال القديم.

2

التقيت رندة السلطي (وهي احدى المشاركات الأربع في تأسيس قاعة نبض) في باريس قبل أشهر. جاءت لترى. ولأن الفن لا يرى بيسر في باريس بسبب خارطته الشاسعة اختارت المرأة عناوين محددة لتعينها على النظر. فيما بعد اكتشفت أن السلطي كانت قد وضعت في ذهنها هدفا لرحلتها. كانت ترى إلى الأعمال الفنية بعينين مختلفتين: كانت العين الأولى تنعم بخيال تلك الأعمال غير أن العين الثانية كانت تتلصص على المكان. الشق الثاني كان موضوع حديثها الطويل فيما بعد. كانت رندة تعنى بخبرة المكان الذي يؤوي أعمالا مختلفة.
كما لو انها خططت من قبل لإقامة هذا المعرض. في مثل هذه الحالة شيء من التوقع لا يضر بالحقيقة. بل قد تكون الحقيقة هي الأخرى نوعا من التوقع. وكما أتوقع فقد رسمت رندة للمكان فضاء تخيليا لإعادة انتاج مفهوم صار بالنسبة للوعي الاستهلاكي العربي جزءاً من الذكريات العتيقة.
اربع نساء من الشرق يعين أهمية أن نكون موجودين في لحظة تاريخية بعينها، هي لحظة السؤال الذي يتعلق بمصير فننا، بما وعدنا به ذلك الفن من جمال يهب مشاعرنا إزاءه نوعا من الحمى الشخصية. فهذا المعرض هو خيار شخصي. خيار يعبر عن مزاج ثقافي يلهو في منطقة لا ترى بيسر. هي المنطقة التي تفصل بين ما هو منجز من العمل الفني وبين الأمل الذي يعد به ذلك العمل. وهي مهمة صعبة يتصدى لها النقاد عادة بأسلحة غير تقليدية. لا يكفي الوصف. التأمل هو الآخر لا يكفي. معرض (نافذة على الفن العربي) يجيب بيسر: أن تجتمع التجارب الطليعية، بعضها بالبعض الآخر، لتتحاور. شيء من الموعظة وشيء من الشغب.
أولئك النسوة قررن أن ينحزن إلى الضرورة. وهي ضرورة لا يصنعها منطق محايد. هناك انحياز في ذروة كل جمال ممكن. في كل الأعمال الفنية المعروضة هناك شهوة للكمال الذي لا ينبس بكلمة. الصمت هو سيد كل الأقنعة. ما وقع عليه الاختيار ليكون مادة لمعرض نبض الأول إنما يشكل نوعا من الامتداد لحياة لم يعشها أحد بعد.
وهي حياة لا تعنى ذروتها بماضيها أو بمستقبلها بل تكتفي بترف أسئلتها. فنانون عرب من أجيال مختلفة يلتقون لا ليسأل أحدهم الآخر: من أين أتيت؟ بل ليحتضنه أبا أو ابنا. ألا يكفي ذلك سببا لإقامة هذا المعرض؟

3

لنتأمل أسماء الفنانين المشاركين: مهنا الدرة، وجدان، رافع الناصري، رشيد القريشي، عبد الله بن عنتر، خالد خريس، زياد دلول، جمانة الحسيني، حسين ماضي، هيمت، خليل رباح، أيمن السماوي، نبيل شحادة، محمود طه وتيسير بركات. فنانون لا تجمع بينهم إلا عبقرية خيال متقد. ليس أمامنا سوى أن نراهن على خيال الفكرة. وهي الفكرة التي تشكل رهانا تاريخيا: هل هناك فن عربي؟ سؤال يلقي بظلاله على الوجود العربي كله في مرحلة تسعى فيها كل الأمم لكي يكون لها نغمها الخاص في النسيج العالمي. ما لم تعثر على ذلك النغم فإنك في غنى عن المحاولة. ولكن ينبغي عليك أولا أن تقتنع أن الجمال هو غايتك. يتضمن المعرض حوار أجيال استغرقها الهم الجمالي طويلا ونفذت من خلاله إلى جوهر الفعل الفني. فنانون موجودون لأنهم في غنى عما أنجزوه سلفا.
المستقبل لا يستغني عنهم. غير أن تجاربهم في الوقت نفسه شكلت ركائز لوعي جمالي بمشكلات الإنسان في هذه البقعة من الأرض. لنقل أنها الواقعية التي لا تمجد أي معنى، أو هي التجريدية التي تحن إلى أي معنى يستوعبها. (نافذة على الفن العربي) هو في حقيقته مصيدة تتجاور من خلالها التجارب الفنية العربية لكي يعدي بعضها البعض الآخر بطليعيته.
سلالات من الفنانين يلتقط بعضها المعرفة من البعض الآخر ليكون مرآة متأخرة له. تشتبك الموعظة بالشغب ليشكلا وعيا مختلفا بالجمال. هل كان ذلك ما حلمت به تلكم النسوة الرائعات؟
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد






رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni