... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
سلام عمر يصف الألم العراقي بالرسوم والنصوص

فاروق يوسف

تاريخ النشر       05/07/2008 06:00 AM



 
لم يكن الرسم في نظر سلام عمر إلا محاولة للهروب من المعنى، ذلك المعنى المجاور للشكل أو الذي ينبثق منه. دائماً كانت لدى هذا الرسام حقائق بصرية تمس الجوهر الخفي لفعل الرسم، كونه محاولة للاسترسال الخلاق في اقتناص الأشياء وهي في حالة تماه مع الجانب غير المرئي من وجودها. وهو الجانب الذي غالباً ما يكون مرآة لواقعية جديدة. رسوم عمر كانت تقف خارج حدود المعنى غير أنها في الوقت نفسه كانت تقف خارج حدود الشكل المتاح. 
 
لا شكلانية سلام عمر هي في حد ذاتها نوع من الخيار التعبيري الذي جعله قادراً على تجديد مواده وتقنياته ومعها أسلوبه في كل لحظة يستأنف فيها الرسم. كان الرسام يستقوي على الرسم بخفاياه الكامنة، وهو استقواء يصدر عن ثقة بالتقنية التي تهب المادة المستعملة نوعاً من الرخاء التصويري غير المتوقع.
شغف الرسام باللون الواحد (كان الأبيض دائماً هو ذلك اللون) رافقه ولع بالتفاصيل الصغيرة التي يكون في إمكانها أن تنسينا أن الرسام اختصر العالم كله في بقعة ضوء ناقصة، هي اللون الأبيض.
لذة العيش في مواجهة السطح الغاص بالتفاصيل الصغيرة التي لا يمكن التحقق من وجودها بيسر هي أشبه بالممحاة التي تعلق بها بقايا الأشياء الغائبة أو المرجأة. يومها كانت رسوم سلام عمر أشبه بالقماش الشفاف الذي يخفي ويظهر في الوقت نفسه. يتساوى الشعور بالغموض في مواجهته بالوضوح الذي يستحضره التفكير به. عصيانه لا يصد بتماسكه بقدر ما يوحي بشاعريته. وهو في ذلك إنما يذكر بإيقاع الموسيقى الشرقية، حيث يكون الطرب طريقاً تؤدي إلى الإشراق الصوفي.
المعاني كلها خبيئة فيما الأشكال تمتزج ببعضها لتنتهي إلى العجينة النافرة التي هي مصدر كل شكل منفي عن هيأته السابقة. الآن (في معرضه الحالي في قاعة حوار بغداد) وبعد كل المعارض الشخصية التي اقامها الرسام في بغداد والدوحة وبيروت وأبو ظبي بدأ سلام عمر (مولود عام 1960) صار يظهر اكتراثاً بمعنى لا يأسره تماماً وإن كان ذلك المعنى يقدمه اسلوبياً بطريقة مختلفة. وهي طريقة التقطها الرسام عابراً، بسبب وجوده في مدينة اشتبكت مصائر كونية كثيرة من اجل اعادة تشكيلها: بغداد مدينة محتلة. «يتطلب الأمر شيئاً من الوصف المكثف، حالة سريرية هي نوع من الفناء التعبيري» ولكنه الوصف الذي لا يذهب إلى الحقيقة مباشرة. لذلك استعاد الرسام قدرته على أن يكون موجوداً في لحظة النظر المباشر.
لا بأس بقدر من التشخيص على طريقة التعبيريين الغابرين، لكنّ ذلك التشخيص لا يكفي كي يكون مادة لقول مكتمل ومنفعل بمادته جمالياً. وهنا يجد الرسام في النصوص الشعرية المطبوعة نوعاً من الحل. لا يتلصص الرسام بصرياً على النص ولا يشرحه بل يلتقطه كما هو (كما كتب) ليضعه على سطح لوحته، مثلما يفعل الكثير من الرسامين اليوم ممن عثروا في النص على ما يغنيهم عن الرسم (كما نعرفه). غير أن هذا الرسام يعنى بالنص إلى جانب عنايته بالرسم (الذي نعرفه). بل لنقل أنه يمزج الاثنين ليكون في منجى عن تأملهما منفردين.
ما يهمه هو الإيقاع والمعنى مشتبكين كما لو أنهما يسعيان إلى استخراج زئبقاً لحقيقة القول من عصارة اشتباكهما. يستعير الرسام صوراً ونصوصاً من الماضي، ليمزجهما بأناقة لافتة، لكنه لا يفعل ذلك إلا من أجل التحقق من وجودهما، في صفتهما مصدراً لنغم لا يزال قادراً على الإلهام البصري. لا الصور ترى ولا النصوص تقرأ. وفي الوقت نفسه يمكننا التحقق من وجودهما.
ما يبقى من الرسوم شيء يذكر بكثافة الألم وحيرة انتظاره وما يبقى من النصوص تلك الخبرة الثاقبة على قول ما يتماهى مع غيابه. مزيج من الكائنات التي تختصرها اللغة في لحظة يسر خيالي. صلح يمضي إلى نقاء سريرته، كما لو أن الأشياء قد اعدت لتكون مواداً لمائدة خلق مستمرة. لا تبدو النصوص مقتبسة والصور هي الأخرى تبدو كما لو أنها تتشكل للتو. رمية نرد موفقة يتخذ منها سلام عمر حجة في القبض على المعنى، وهو المعنى الذي تتداوله الألسن من غير أن تعثر على صورته. «نرى كل شيء ولكننا لا نرى شيئاً بعينه» سيقول أحدهم. وهو القول الذي لن يعلق عليه الرسام بشيء. الرسام في حيرته التعبيرية الملتبسة هو ابن مدينة محتلة، لا يزال يقيم فيها بل أنه يعرض رسومه فيها. لا تزال لغة المتصوفة ممكنة إذاً؟






رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni