... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
من رآه عليه أن يخترعه لكي يتأكد من قداسته نوري الراوي: صورة الفنان

فاروق يوسف

تاريخ النشر       08/03/2008 06:00 AM


 
 1-ما من فنان عراقي امتزج تاريخ الحركة التشكيلية بسيرته الذاتية مثل نوري الراوي، فالرجل الذي تجاوز اليوم الثمانين من عمره، استطاع أن ينجز أسطورته الشخصية بشعور عظيم من المسؤولية إزاء ما كان يقع إلي جواره من أحداث فنية هي في حقيقتها مرايا متشظية لأحلامه. لم تكن عين الشاعر (وهو من أوائل من كتبوا قصيدة النثر في العراق)التي سكنته منذ أربعينات القرن الماضي إلا نافذة أطلت من خلالها يد الرسام الذي صاره فيما بعد. وما بين الشاعر والرسام كان هناك ناقد يسهر علي أدواته ليطورها بقدر هائل من الكدح والصبر والألمعية والإخلاص والصدق، حيث كان الراوي دائما حريصا علي أن لا يكون صورة من أمس، فيومه القادم كان عنوانا لسهره الطويل، لذلك كان يري في كل ما يعمله الآخرون نوعا من الزاد الذي يعينه علي المضي قدما في رحلته، وهي رحلة اخترقت الزمن، وتركت علي كل بقعة منه أثرا لهذا الفنان الكبير الذي اخترع صورة فريدة من نوعها للفنان المستقل الذي وجد في الفن خلاصه، بل ومستقبله. وإذا ما كان الراوي دائم الاحتفاء بما فعله فقد فعل ذلك لانه كان يدرك أن الأصوات التي تقيم في أعماقه إنما هي خلاصات ذلك النشيد الشامل الذي اجتهدت مئات الحناجر في صنع إيقاعاته. كان الراوي دائما حشدا من الفنانين الذين حلقوا بعيدا عن أزمنتهم ليكون لهم قصب السبق في التلويح بأكف بيضاء تشير إلي الجهة التي لم تكتشفها المخيلة بعد. فنه الذي ظل في منأي عن التأثر أو التأثير كان صنيع ذلك اللغز الذي حفظ له استقلاليته المحيرة، في بلد عصفت به التيارات السياسية، بل ودمرته إلي أن انتهي محتلا. كان الراوي الفرد الذي خص الجميع برعايته، و كانت الأصالة الشخصية هي شرطه الوحيد. وهو الشرط الذي جسده فنه خير تجسيد.

2
تأخر نوري الراوي في كتابة سيرته الذاتي (التي صدرت مؤخرا في بغداد). ولكن الراوي في كل ما فعله إنما كان في صدد كتابة تلك السيرة. بل لم يكن لديه ما يفعله طوال حياته سوي كتابة تلك السيرة، أن من خلال الرسم أو من خلال الكتابة التي كانت تجئ دائما مغلفة بالمخمل. ذلك لان علاقة الراوي بمادته (كلمة كانت أم خطا أم صبغة) هي أشبه بعلاقة الصائغ بالذهب: لا زوائد، قليله يندفع إلي الجوهر مباشرة. أحيانا تفضحه الصناعة، فلا يجد حرجا من تخليه عن المعني المباشر. فهو يعرف بخبرته أن المعاني التي قيلت تكفي، وأن لا معني في إمكانه أن ينقذنا من القبح، ففي الجمال وحده تقيم رقية الخلاص. ولان كل ما كان يفعله كان يؤكد انتسابه إليه: صنيعا ذاتيا فالتا من كل رقابة، متمردا علي كل هدف، فقد كانت أعماله الفنية وكتاباته تشف عن حرية مريحة عاشها كما لو أنها نوعا من البداهة. وهو ما يهبه ميزة نادرة لم يتصف بها فنان أو كاتب عراقي آخر. لم تكن السعادة بالنسبة إليه هدفا، حسب بل كانت أيضا المادة التي يصنع من عجينتها أشكاله التي لم تكن سوي رؤي محلقة. سعادته كانت معجزة في ثقافة كان الشقاء مرجلها. هل كان الراوي يعيش منفصلا عن حاضره والمكان الذي يأويه؟ هذا السؤال يأخذنا مباشرة إلي مفهوم الفن الصافي الذي تبناه الراوي ولم يتخل عنه لحظة واحدة. لقد عاصر الراوي تحولات الرسم الحديث في العراق (وهو المولود عام 1925) كلها. عاش مناخاتها وعرف أسرارها. غير انه ظل يطارد جمالا غامضا لا تفصح عنه الأشكال بقدر ما تؤدي إليه. رسومه تسلي مثلما هي كتاباته. لا يشعر المرء إزاءها بالضجر. فهي لا تستعرض خفتها بل تضع الخفة كلها في متناول أعيننا. من يقرا كتاباته يكون كمن يخترعها في لحظة هذيان. إنه يصف الكلمات برشاقة، بعضها إلي جانب بعض، كما يفعل بالخطوط والأصباغ لا ليقول الشيء نفسه، وهو ما كان يفعله دائما، بل ليفاجئنا بذلك الشيء، مشاغبا وبريئا. من يتذكر نوري الراوي لابد أن تغمره العافية. فنه نوع من الشفاء.
3

ترك نوري الراوي القضايا الكبري للآخرين، كان شعوره بالفقدان غايته النبيلة التي تعزز قدرته علي الرسم والكتابة. مدينته الفاضلة التي رسمها في خلو من البشر كانت تخترع خطواته التي لم يلقها علي الأرض. تلك اللوحات كانت تظهره حالما بمشية هي أسلوب حياة قدر له أن يعيشها، لكن من خلال الرسم والكتابة. لذلك كان الراوي أشبه بالمنفي في الثقافة العراقية. كان الغريب الذي تكشف حركاته عن اختلافه. هويته كانت مزيجا من أصوات وروائح وأشكال ومذاقات لم يختبرها أحد من قبل. لقد اخترع جنته، ذلك المكان الذي يشعر العراقيون اليوم بالحنين إليه بعد أن فقدوا حقهم في الحنين. هل كانت رسوم الراوي نوعا من النبوءة؟ حين أحتل العراق عام 2003 كان صوت الراوي من اكثر الأصوات المقاومة صفاء. لا شائبة، كانت المقاومة بالنسبة إليه هي الحل. لقد عاش الرجل حياته كلها مقاوما بالطريقة التي حفظت لفنه استقلاله وحريته، وها هو يري أن كل شيء يذهب إلي عدم رخيص. ليت القيامة وقعت، حينها يكون الراوي متأكدا من أن مدينته ستنهض من جديد. غير أن الاستعمار وهو عبث صبياني لا يمكن أن يكون سوي نوعا من الانحطاط الذي يغدر بكل قيامة ممكنة. في ثمانينه قدم نوري الراوي صورة الفنان وهو يتماهي مع رقي أسئلته الحضارية. لقد حل الخراب بمدينته الفاضلة وصار الغزاة يعبثون بمفرداتها، لذلك ظهر كما لو أنه بطل سومري. علينا أن نتذكر دائما أن طريق الحرير مر بمدينته. الراوي هو ابن تلك اللحظة التي لن يغفلها التاريخ. هو ابن البداهة المترفة التي قربت الصين من روما. لذلك فان نوري الراوي لا يمثل دور الشاهد بل يهمه أن يكون الحقيقة التي تشير إلي ما يتصل بها من وقائع المغفرة. ننظر اليوم إلي رسوم نوري الراوي وكتاباته بعيني من يقرأ الكتب المقدسة أول مرة.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni