... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
تتقدمه الحيرة اينما حل: يحيي الشيخ في معرضه الأخير هكذا سميت الأشجار

فاروق يوسف

تاريخ النشر       21/10/2007 06:00 AM


 
لا يزال يحاول الرسم يحيي الشيخ، الرسام العراقي الذي كان يوما ما الرسام الأكثر شهرة من بين أبناء جيله الستيني يسعي منذ ثلاثين سنة (وهي عمر منفاه) إلي أن يكون الآخر المختلف الذي يتشبه به ويباريه بل ويتلصص عليه. لقد كان الشيخ بالنسبة لمن عرف رسومه في ستينات القرن الماضي نموذجا للفنان الذي لا ينسحب بيسر من التزاماته السياسية، بل أنه وبالرغم من سعيه إلي تهذيب تلك الالتزامات جماليا كان لا يخفي ولعه المباشر في التحريض من خلال الرسم علي الفعل الثوري، في صفته نوعا من تأكيد الوجود. كان الشيخ يومها بطريقة أو بأخري رساما ذا رؤية سياسية. غير أنه خرج من منافيه المتعددة قبل أن يستقر في النرويج بموعظة واحدة، تتعلق بموقفه من ذاته إنسانا وحيدا ومن الرسم في صفته فعل خلاص نقيا. بالنسبة إليه لم يعد الرسم ذلك الحيز الذي يقول بلغته ما يمكن أن يقال بلغات أخري، بل صار الرسم هو لغته، وهي لغة يستخرجها الفنان من حيز لا كثافة له ولا يمكن لأية مرآة أن تظهره. أما الرسام فقد صار ذلك الشخص الذي يتحسس مسؤوليته في أراض لم تحرث بعد. لذلك كان الشيخ هو الأكثر جرأة من بين أبناء جيله حين صار في كل مرة يحاول الرسم فيها يغلق كتابه القديم ليبدأ من جديد، رساما يلجأ إلي ما لا يعرف من التقنيات والمواد.
وفي كل مرة يتغير كانت أصابعه تفصح عن شخصيته من غير أن تتعكز رسومه علي أسلوبه القديم أو أفكاره التي استهلكتها تلك الرسوم. صارت فكرته عما يجهل هي التي تسحره وتوقع بعاطفته بل تمده بقوة من يحلم بفتح مضاد. كان ذلك الآخر الذي يسكنه يحقق له القدرة علي أن يفصح عن تغيره. وهو تغير يحقق للرسام نشوة الانفصال عن ذاته، وهو ما وجده في مادة الصوف التي اشتغل عليها لسنوات مثل حرفي استخرجته لحظة الهام من حكايات الشعوب القديمة. كانت أعماله التي حملها إلي باريس عام 2004 يوم استضافته مدينة الفنون هناك صادمة لكل من رآها. فبقدر ما كانت ميسرة من جهة النظر بقدر ما كانت معقدة من جهة المغزي. كان السؤال يومها: ما الذي يدفع برسام مكرس أسلوبيا إلي أن يبدأ من لحظة الصفر مثل حرفي لا يزال يتسلق سلم المهنة؟

2
يرتجل يحيي الشيخ (المولود في العمارة جنوب العراق عام 1945)خياله أيضا. بالنسبة له( وهو الذي درس الكرافيك وعاش في مختبره زمنا طويلا) فان العمل هو الذي يحضر الإلهام. غير أن هناك في النفس ما لا يمكن التعبير عنه أو وصفه دائما. ذلك هو الشيء الذي صار الشيخ يطارده بين تحول وآخر من تحولاته الفنية. وقد يمثل ما يقدمه اليوم في معرضه الأخير الذي أقامه في مدينة تروند هايم النرويجية والذي يحمل عنوانا لافتا بشاعريته هو (هكذا سميت الأشجار) خلاصة لسيرة حياة تتجاذبها عاطفة عصية علي الوصف ورغبة ملحة في النسيان. انه جسر بين ما كنته وما أنا عليه اليوم، علاقة بين ذاتين عشتهما بعمق يصف الفنان معرضه الحالي. كما لو أنه يريد أن يجلي عن أسباب عودته إلي مقاطع من ذاكرته البصرية الصدأ. ومع ذلك لا يمكننا سوي أن نقول أن يحيي بالرغم من كل هذه الاستعادات البصرية لا يزال يتقدم إلي المجهول. ذلك المكان الذي كان ينظر إليه دائما بشغف العاشق.
صحيح أن في إمكان الوجع الذي يرافق عناوين لوحاته أن يحيط بنا فتتعثر به خطواتنا غير أن يحيي وهو الصانع الماهر قادر علي أن يهبنا قدرة مضافة علي استرجاع أنفاسنا حين يزج بنا بصريا في أشكال تحيرنا وتضعنا في قلب متاهة جمال، تتناسل دروبها مثل الحكايات التي لا تنتهي. علامات مضاعة هي ما تبقي من سيرة حياة هي قيد الاستفهام، يمد يحيي الشيخ إليها يده مثلما يفعل شبح، لينسبها إلي لوحاته التي يشك أنها من صنعه، ذلك لان الآخر الذي يسكنه لا يزال يسترق النظر إلي ما تفعله يداه. في كل رسمة من رسوم الشيخ هناك صراع بين حساسيات تتجاذبها مصادر متناحرة: الفكرة والتقنية والأشكال، غير أن عاطفته هذه المرة تطل مثل ضيف مأخوذ بحضوره. من المؤكد أن النرويجيين سيسحرون بالمناخ الشعري الذي تتغنج به الأعمال الكرافيكية الـ (15) التي نفذت بأناقة علي ورق أسود ولكنهم لن يكتشفوا اللوعة التي تنطوي عليها. هذه الرسوم لن تبوح بأسرارها لكل من يري. فهي أشبه بالتمائم التي لا يقول مظهرها أي شيء عن المكيدة التي تسعي إلي تخطيها. رسوم هي أشبه بفكرة العبور من مكان آخر. وإن كان الرسام يحاول هذه المرة الاستغاثة بالماضي.
قبل سنة وفي تقديمه للجمهور للفنلندي كتبت أن يحيي الشيخ ضالته النسيان، غير أن يحيي هذه المرة يريد أن ينسي بطريقة الشيخ الذي يقيس المسافة التي تفصله عن الوقائع بعاطفته. وهي عاطفة ترتجل خيالها بما يؤسس لسيرة ذاتية هي مزيج من وطن قد تداعي ومناف عديدة تصنع من النسيان مادة لرجائها. سواء في معرضه الحالي أم في كل تجاربه السابقة نجح يحيي الشيخ في أن يتماهي مع الآخر المختلف الذي يسكنه ليكون دائما الرسام الذي يفاجئ، بحيث تتقدمه الدهشة والحيرة والاستفهام أينما حل.
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
عن جريد ة القدس العربي
للمزيد من المعلومات حول يحيى الشيخ





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni