... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  مقالات فنيه

   
دفاعاً عن التجربة الشخصيّة

صدام الجميلي

تاريخ النشر       03/12/2014 06:00 AM








 التجربة روح الفنان التي لا تُنتحل.


إخلاصا لما دأبت على الايمان به في كون الفن (التشكيلي) نسقاً ثقافياً يجب تسويره بالمعرفة وتغذيته بالجهد والتفكير، ليغدو سلوكاً معرفياً خالصاً يلتفُّ حول روح المجتمع، يحصّنها ويمنحها دفقاً من الشعور بالجمال، وتسير دماؤه في طبقات ادراكنا العميقة. ففي كثير من مفاصل نشاطنا البصري نمارس من دون أن ندري أو من دون ان نشعر بالمسؤولية فعلا استهلاكيا لما نطّلع عليه او يستهوينا من نتاج بصري. وتجاوزا لما يرهق المشهد التشكيلي العراقي والعربي من مجانية وشعبية واستهلاكية في الممارسة وأساليب التفكير فإن التدقيق في ذلك يحمّلني مسؤوليةً كبرى تجاه المشهد التشكيلي العراقي الذي ما زال يحتفظ بمكانته الرفيعة، وتجاه ممارستي الخاصة بما يميّزها من تجربة وطموح.

لا يمكن أن يولد العقل المتسائل والروح المماحكة إذا لم يكن هناك طريق طويل من الكد والألم والسؤال والمراجعة والتأمل في معنى وجودنا، نحن الذين نسعى للدفاع عن وجودنا بمراسلة هذا المعنى العميق للحياة. معنى أن نصمت طويلا من أجل أن تنزل من عيوننا دمعة واحدة، دمعة لاصفة مثل رؤيا أو معرفة خاطفة مثل نبؤة.

لا يمكن أن يبدو مشروعنا كفنانين نزهة عارضة أو نوعاً من التسلية، نترك بعدما تنتهي متعتها بقايا زجاجاتنا على الأعشاب، فنتلف بذلك ماقصدنا إنجازه أساسا، فالفن لايبدو فرصة رائعة للمتعة فحسب بل هو في جانبه المضئ ضرب عميق من المعرفة التي لا يعوزها الالم.

إن نشر أعمالنا في مواقع التواصل العام مثل الفيس بوك أو نشرها في مواقع الثقافة والفن ودورياتها، أو حتى عرضها في الكاليرهات مستدرين لحظات انبهار الاخرين وتشجيعهم بكامل طاقتها لنرضي غرورنا ونؤكد حضورنا، لتنتهي بذلك دورة حياة أعمالنا ذاتها كما ينحسر حضورنا. لن يشكّل ذلك منتهى الفن، ولن يكون هدفه الوحيد، بل إن ثمة سيرة حذرة ومتوجسة وحساسة من الاستقصاء والمراقبة والتراكم والتاريخ القابل للدراسة والفرز والفحص والتقدير، وهو رهان التجربة التي ستؤكد وجودها وهي تُدرك اهمية أن تؤكد جدّتها وجدواها وتوجّه رسائلها لمستقبل الفن مثلما تعمل بكل بطولة على ادراك الماضي واستلهام الحاضر، بل اكثر من ذلك قد تتحول خلاصات التجربة الى جزء من ضمير شعب وثقافة أمة، كما نحيا اليوم مستهدين بخلاصات تجارب أساتذة الفن العراقي على مرّ السنوات، وهو ما يبدو الجانب الخطير والمخيف من الفن، نعم مخيف فهو الجانب الاقل انتباهاً وتصديا له من قبل الفنان، كونه يبدو في وصفه الدقيق اشبه بممارسة الحراس وسط الظلام الجهل والمخاطر.

وبالتالي فإن اولى مسؤوليات الفنان الدفاع عن محاولته، وإعلان تجربته التي تشكل بالنتيجة دفاعاً مخلصاً عن حياته بما يتخللها من قلق ينتابه بشأن وجوده في مصيره الخاص، كما يذهب هيدغر في (أصل العمل الفني). إذا كان ممن يعدون الفن خلاصة عميقة لحياتهم، بدايتها ومنتهاها، معناها وخلاصها. إن لم يكن الفن هو معقله الاخير. ما يدعوه للعودة الى فطرته دفاعاً عن وجوده مثل اي كائن مهاجَم.

واستبسالا مني في الدفاع عن جهدي وإضاءة تجربتي الشخصية فإنني قررت أن أشير الى أمر مهم، ولكي لا يهرب التاريخ من بين يدي فإنني أرى أمراً من المهم ان نتناوله بشجاعة وإخلاص، وأن نتحمل مسؤوليتنا إزاء أنفسنا بلا وجل أو تردد، وأن لا نتجاوز ذلك وكأنه أمر عادي يحدث كلّ يوم، فالثقافة لا تقبل أخطاءنا، ولا تقبلنا بلداء بلا أرواح متطلّعة ولا عيون براقة وقلوب باشطة. الثقافة ليست سريراً للاسترخاء واقتناص الجاهز من رؤى الآخرين، بل هي كما أظنها سلم صعب، لا يقبل أن نرتاح عليه الا بحدود.

إن التجارب الجديدة والمميزة والمختلفة والشجاعة بوضوحها الكامل وقوة تعبيرها عن نفسها غالباً ما تجد أتباعاً ومريدين وطامعين ومنتحلين وسراقاً، فهي أدعى الى أن يقع الآخرون بغرامها وتكرارها، ومع أنها تحتاج وقتاً طويلاً لادراك أهميتها وحقيقة معناها فإنها من جانب آخر تجد من المفلسين والحيارى أول من يباركها وهو يسطو عليها، وبالتالي يمكن في بعض الأحيان أن يتكاثر الأمر حتى تبدو التجارب متشابهةً الى الحد الممل، حتى ينتهك السارق لذة الاكتشاف والتلقي، لتبدو تجربته مثل قهوة باردة، إن أي سرقة فنية تبدو خاسرة لامحالة، خاسرة من داخلها وإن صفق لها البعض المجامل والجاهل والطامع و المنتفع، فهي تعيد أصداء غيرها، مثل ببغاء، بل هي صدى ميّت لامعنى له بالضرورة.

أفهم جيداً إن الكثير من التجارب عبر التاريخ أعادت كثيراً من المفردات إلى الحياة، وإن الفنانين أنفسهم تناولوا مواضيع بذاتها بأساليبهم الفردية وتقنياتهم الخاصة، لكن الخطورة تقع عندما نجد أن البعض ينتحل الأسلوب والمفردات ذاتها، من دون أن أعرف ما الذي يدفع أمثال هؤلاء للدخول إلى مقامرة خاسرة.

إن التاريخ الابداعي يفرض علينا الدفاع عنه كونه الطاقة المتفردة التي تميز وجودنا كمبدعين، ووهي الطاقة التي دفعنا من أجلها تاريخاً طويلاً من اللذات والكسل والخدر والهناءات العابرة، لذلك يحق لي أن أصرّح محاولاً الامساك بالتاريخ من أجل أن أظلَّ في قطاره السريع وقد دفعت اجرتي كاملة من سهر لياليه وعناء نهاراته، واقول بزهو لا يشبهة أي زهو، انني مع عمري القصير في الفن فقد تركت في الآخرين أثراً بالغاً لما جازفت به من شجاعة الطرح وووضوح التجربة الشخصية وقوتها حتى أنتحل آخرون ما قدمته بلا وجل ومسؤولية .إن ما اقوم به لا يمر بلا جدوى.فهو إما أن يُكفر به أو يعبد.

هكذا وأنا أستدل على مفردات عالمي وعناصر لوحتي من السلالم والخراطيم والحيوانات الخرافية والأقماع والأحذية والأكف ومربعات الحوار وسواها كما أستدل عليها من حضور الانسان بهيئة محددة تجسدها تقنية باتت واضحة لخصوصيتها، وأعمل على نسجها جميعاً في رؤية جمالية دعمتها كتابة وحوارات وكتب، أراها ببلاهة تملأ رسوم الاخرين كانها وليدة أفكارهم ونتاج اجتهادهم،تاركة أثراً بائساً وسلبياً على مزاجنا العام،ربما مزاجي أنا تحديداً، فانا لا أحب التلصص والنسخ والتكرار. التكرار ممل وبارد، والنسخ مهمة آلية لاروح فيها ولا فن، فان صداهما لا يشبه حرارة الصوت الانساني وقوته، لم تكن هذه العناصر غير موجودة قبل استخدامي لها بل هي حاضرة في تفاصيل حياتنا، ولا تكمن الجدة والابتكار إلا في الطريقة التي استدعيتها للدخول في عالمي وتشكيل عناصره، النظرة الحريصة إلى العالم تقود دائماً إلى الاكتشاف، شرط أن تكون عيوننا مبصرة. إن تلك الأشياء تبدو تالفة ومعاقة في أعمال الآخرين لأنها لم تنمُ في أرضها ومن أصولها كتفصيلات طبيعية كما تنمو أوراق النبتة، بل جاءت أشكالا ملفقة ومرغمة وهزلية. ومن أجل التاريخ ودفاعاً عن مشروعي إزاء العالم وقسوته ولمعرفتي بأن التاريخ لا ينسى فإنني آثرت الكتابة، فنحن لسنا سوى نصوص، يرددنا الاخرون بجرأة أحياناً، بلا وجل أو تردد. سيعوفالاخرون، كما يعرف الوسط الثقافي في العراق، إن ما قلته حقيقة لا مراء فيها.
















 

2-12-2014

عمَان

 

كاتب وفنان تشكيلي من العراق / الأردن

الأعمال المرفقة للفنان صدام الجميلي







رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  صدام الجميلي


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni