... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
محمد سامي في 'نورشوبنغ' السويدية: رسام الريح الذي لا يرغب في قراءة السطر الاول من الحكاية

فاروق يوسف

تاريخ النشر       17/03/2012 06:00 AM


في 'نورشوبنغ' المدينة التي تحتل المرتبة الخامسة في تسلسل المدن السويدية من حيث حجم السكان وهي المدينة التي يضم متحفها مقتنيات مهمة لخيرة فناني القرن العشرين يقيم الان الفنان العراقي محمد سامي (1984) معرضا لرسومه ذات الاحجام الكبيرة. وهو حدث يمكننا النظر إليه بتقدير كبير لسببين، أولهما ان القاعات السويدية نادرا ما تحتفي بفنان من أصول أجنبية (قبل أشهر احتفى متحف الفن الحديث في المدينة بالفنان سامي وتبنت بلدية المدينة واحدة من لوحاته ملصقا ليومها الثقافي المفتوح وهو الآخر حدث استثنائي) وثانيهما يتعلق بحداثة سن الفنان وحداثة اقامته في السويد. وإذا ما وافقنا جدلا أن هناك ظروفا كثيرة تلعب دورا كبيرا في فتح أبواب الصالات الفنية أمام الفنان والترويج لإعماله وتهيئة فرص من هذا النوع، فان تلك الظروف لا يمكن أن تستثمر حيويتها في الفراغ أبدا.

وكما أرى فإن حماسة مسؤولي العرض لرسوم سامي لها ما يسندها على صعيد تجربة هذا الفنان التي لا تزال غضة وفتية وقابلة لأن تتسع، شكليا وتقنيا. وما لجوء الفنان إلى الرسم بالضوء ومن خلاله إلا واحدة من التقنيات المسرة التي سعى الفنان من خلالها إلى العبور بمتلقي أعماله إلى المناطق المعتمة التي تشكل الجزء الأكبر من حياته التي عاشها في العراق. ولد هذا الفنان أثناء حرب وقضى طفولته وصباه في اتون حرب ثانية وهرب بشبابه من نيران حرب ثالثة، توجت بالاحتلال وضياع صورة البلد الذي لم ير منه إلا ما تبقى من صور، الجزء الكبير منها زائف وملفق وقابل للزوال في أية لحظة.

إذن، لدى محمد سامي الشيء الكثير الذي يمكن أن يقوله عن حياته الماضية. مخيلته لا تزال تعج بالعصف. وهو ما تعكسه ببراعة وصدق تقنياته في الرسم. ما من تكوين ثابت في مكانه. بل أن الصورة كلها تميل إلى الحركة. هناك دائما ما ينذر بالاختفاء. يرسم سامي كائناته كما لو أنه يودعها في لحظة فجيعة. ليس هناك متسع من الوقت لكي نرى صورا ساكنة. الجمال نفسه صار جزءا من ذلك الارتباك العظيم الذي يعيشه المشاهد كما تعيشه الصور. حين ننظر إلى رسوم سامي يُخيل إلينا أننا لا نرى الواقعة كلها، بكل تفاصيلها. هناك اجزاء كثيرة من تلك الواقعة كانت قد هربت، اختفت، تلاشت، انمحت قبل الرسم. ولم يبق منها إلا الايحاء الملهم والمباغتة الفجائعية. ما نراه لن يكون سوى الأثر الذي خلفته تلك الوقائع وراءها على الارض كما في أعماق النفس البشرية. نرى خيولا غير أنها لن تكون الخيول الحقيقية التي عبرت. الرسام لا يتذكر بل يتبع عاطفة عينيه الغارقتين في الدمع. لذلك فانه لا يرى سوى أشباح. تلك الأشباح هي اللقى النفيسة التي خرج بها من حياة لم يعشها بعمق ولا تأملها بروية.

الشاهد الذي لم ير ما يصدمه

علينا إذاً أن نبحث في عمق الصورة عن المعنى الذي لا يظهر مباشرة. وهو المعنى الذي لا يقصد الرسام الذهاب إليه. ربما لأنه يخشى الاشتباك به مرة أخرى من أجل أن لا يتجدد شعوره العميق بالألم. لقد اشتبكت يد الرسام بإيقاع ذلك المعنى. وهو ايقاع نادر من جهة قدرته على الاختزال. وهنا يكمن سر ذلك التقشف التقني الذي تتميز به رسوم محمد سامي، حيث الحكايات لا تتكون إلا من لحظات التوتر العصيبة. يروي الرسام حكاية تاريخ طويل من الخراب الذي مرت به بلاده، من خلال نظرات قلقة وهائمة يلقيها على برية تتقاطع فيها ايقاعات غامضة. عبث يغري العين بموسيقاه المضطربة. هناك دوار كثيف يلف المشهد بغيبوبته تستلهمه رسوم سامي في محاولة لتجسيد ما حل بالعراق، بلد الرسام الاصلي، من فزع اسطوري، تعجز البلاغة عن الاتيان بما يعادل وصفه. لم تكن هناك إلا صورة وهمية عن دورة حياة لم تكتمل. في الخطوط المنحنية القليلة يكمن الكثير من الصراخ الذي استوطن قلب العالم وضمير الإنسانية المعذبة. هذا الرسام هو أبن حضارة تتعرض للمحو واين شعب مضى بقوة العنف إلى النسيان.

رسوم محمد سامي هي يوميات ذلك العصف الذي اجتاح بعبثه الكثير من الصور الثابتة وأطلق نزعة الشر الكامنة في أعماقها. لقد قبضت يد الرسام على الريح. ليس هناك شيء سوى الريح. واقعيا سنلتفت إلى الصور التي تأتي من العراق مؤكدة أن زلزالا عظيما ضرب تلك الأرض ومن عليها وخياليا علينا أن نتحسس أعضاء أجسادنا خشية أن نكون قد فقدنا عضوا منها. وإذا ما كان الرسام قد اختار الخيول رمزا لتلك الريح فلإنها تمثل في الذاكرة الجمعية صنيعا تاريخيا بعينه ارتبط بالغزو وايضا بمبدأ استعادة العافية والجموح. مرآة ذات وجهين متناقضين يعبر بينهما الرسام ليؤكد أن كل فكرة تحمل في اعماقها فكرة نقيضة. وهو بذلك يعبر عن تعلقه بجدل الموت والحياة الخالد. بعد كل هذا الموت هناك فرصة للحياة آتية من مكان مجهول. هذه الرسوم بالرغم من كل الالم الذي تنطوي عليه لا تتخلى عن ثقتها العميقة بالامل. رسوم محمد سامي هي محاولة للشفاء من الذكرى. تخطيطات عنيدة تهرب من الزمن لكي لا يعلق بها شيء من ارثه الكئيب. هناك حكاية، تتسلل من بين سطورها نظرات الابن الذي يرغب في أن لا يعود إلى قراءة اسطر الأول من تلك الحكاية.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni