... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
سعدي داوود .. لوحات تهرب إلى ذاكرة الطفولة

محسن الذهبي

تاريخ النشر       30/01/2012 06:00 AM


من الأسماء المتميزة في التشكيل العراقي المعاصر نتوقف عند تجربة الفنان (سعدي داوود) المغترب بين المملكة المتحدة وفرنسا من سنوات، فما أن ندخل عالمه حتى نخرج ونحن نغرق في لجة من التساؤلات وموجة حب جارف لتلك المخلوقات الحلمية المنتشرة على سطوح لوحاته الغارقة بطفوليتها المحببة، والمستقاة من جذر حكائي شعبي موروث، فهو يعتمد في إبداعه على ماهية الشكل بشكل أساسي، إذ تبنى خطاباً بصرياً قوامه لغة جمالية مغايرة تستنبط معالمها من أسطورية الوعي الثقافي المكون لوعيه كفنان وإنسان مبدع.

فالشكل التصويري عنده يفهم في إطار قالب من المحلية حتى نستطيع أن نستوعب القدرة التوصيلية والتعبيرية، فهو يجتهد في تحويل الذاكرة الجمعية التي يختزن لتصبح أشكالاً ورموزاً ذات معنى إنساني أوسع مفهوماً ومقبولاً عالمياً ومن شتى الثقافات.

فهو يشتغل بجد على عدة عوامل تؤثر في أسطرة هذه الأشكال المعبرة عن تلك القيم الاجتماعية والجمالية والموروث الشعبي وكلها منابع تصب في الذاكرة الفردية للفنان والتي هي مخزن الإبداع الذي يعود إليه ليجسد ظاهرية الأشياء بصرياً، وغالباً ما يكون مشحوناً بعاطفة ترابطية ومعانٍ باطنية متفاعلة مع ثقافته المحلية على المستوى القيمي.

وبهذا المعنى تكون جزءاً من فلسفة ذاتية تعكس نظرته للواقع. فالشكل البدائي- الإنساني والحيواني- خصوصاً يختزن معاني متعددة تسهم في بناء المعنى العام للوحة بالرغم من أنها أشكال بسيطة ولا تحمل أي تعقيد أو تراكبية؛ لكونها ذوات مسكونة بمعان متوالدة تستند إلى صياغات بصرية ذات مضمون واضح المعالم بعضها يطفح بها سطح اللوحة في حين يظل بعضهم الآخر رابضاً في العمق مستتراً يستعصي على الإمساك وينتظر الكشف من عين المتلقي ووعيه.

إن أعمال الفنان (سعدي داوود) تعتمد بشكل أساسي على قيمة الفعل الدرامي العفوي ليصوغ المعنى الصوري، مما يجعلنا ندرس تجربته الواسعة على إنها وحدة واحدة من التطور الدراماتيكي لفنان يحاول أن يطرح همومه بوصفها جزءاً من موروث ذاتي يعبر بشكل أو بآخر عن هموم مجموعة عاشت وتعيش تلك اللحظات التي يسجلها مستفزاً فينا روح الاستذكار الطفولي المغرق بالتمويهات الذاتية المترسبة في تكوين ذاكرتنا. فهو يؤرخ لها بنحو ما.
 
فهي كما نفهم صور تسجل أو تؤرشف وعياً جمعياً قد تتجاوز في منظورها الفني الوعي الفردي الملتصق بالواقع فهي تتجاوز المطابقة المفترضة بينها وبين الواقع لتنقلنا إلى تكوينات أقرب ما تكون لحلميات متخيلة عن واقع مضى وبقيت في النفس جذور منه.. استغلها الفنان بمهارة المبدع كي تجد طريقتها في التعبير عن الأنا الجمعي مستعيناً بتلك الفطرية المحببة لقلوب الآخرين وهي عالم الطفولة. فمن منا لم تتكون أحلامه من حلم قديم ترسخ بالذاكرة؟ التساؤل إذن بين تطابق الصورة التعبيرية في خلق ذاكرة جمعية تنتج وقائع بصرية محددة الأشكال تشكل بدلالاتها البصرية أنموذجاً يداعب خيالنا الطفولي.. بمعنى آخر إن الفنان يحاول جاهداً أن يعيد لنا فرح اللحظة الطفولية بشكل أقرب ما يكون لفطرية السذاجة .. فالحداثة عنده لا تعني الإغراق بالتجريد بل بالاشتغال على اللاوعي فهو السر، إنه الاشتغال الواسع على (مبدأ حياة) الحياة. الملجأ الوحيد ضد الأنا، مثلما يرى الشّاعر الألمانيّ شيللر (أنّ العبقريّة ملازمة للسّذاجة) وليتخطى واقعية تنقل الواقع بطريقة غير مباشرة، فيها نوع من الفنية والجمالية والإيهام بالواقعية. ففي المذهب الواقعي نهتم وندرس التكوين وعمارة المنظر وعلاقات الخطوط والشكل واللون من أجل تمثيل فكرة لها طابع متكامل بدلاً من مجرد تسجيل المظهر الخارجي للأشياء الطبيعية، لكن الفنان هنا يفعل ذلك متقصداً بالمبالغة أو التحوير الشكلي أحياناً لتوسيع دائرة الرؤيا وأفق الخيال لعين المشاهد.

في حين انتقل من مفهوم الزخرفة والتزيين في اللوحة عنده من معنى البناء التشكيلي والمنظور، ليعني مفهوماً أشمل بوصفه فناً مركباً يجمع بين العلامات اللغوية والبصرية عبر إعطاء الصور المرئية البصرية قصد توضيح معاني النص الدرامي وتفسير مؤشراته السيميوطيقية والمرجعية.
وتنصب أيضاً على الخلفية التشكيلية المتوقعة في اعطاء مدلول أوسع للجزئيات الثابتة في المتن النصي للوحة فهو لا يعتني بإعادة صوغ الواقع الماضوي– الطفولي بشكل تماثلي وحلمي فحسب وبشكل توثيقي بل هو يريد أن يوثق الزمن المفتقد في فرحه إنها سيرة لحظوية لا يريد لها أن تموت بل يوثقها كي تبقى حية بمدلولاتها.

أن (سعدي داوود) يحاول أن يترك بصماته المميزة فنياً وجمالياً على رسم الحدث، وأن يضيف إليه أشياء كثيرة من تجاربه الذاتية والموضوعية يرسم التصورات من أجل إضفاء معنى على الفضاء.
فيشكل من معطياتها، على وفق رؤية موحدة، تكوينات بصرية- مشهدية تنطوي على علامات مكانية وزمانية ذات قدرة على التوليد الدلالي، أو الدال على ما وراء الدلالة الحقيقية من دلالة ثقافية إضافية إيحائية احتفالية ميثولوجية تنبني على البساطة والتنظيم والترتيب والميل إلى التشكيل التراجيدي.

فهو إذن يضع أصبعه موضع الوجع الحضاري الذي نخاف ان يهرب في غمضة عين من ذاكرتنا.
أعماله في مجملها تؤكد أن لا مناص للمبدع في هذا الإرث الشرقي وأن تغرب، من أن يكون امتداداً للمسات وتراتيل إبداعية موغلة في هذه الأرض العتيقة، وإن كانت الترتيلة القديمة تأتي هنا وكأنها تسجيلية، لكن مع التأمل، والإحساس الذي يقدمه المشهد البصري، يؤكد أنه قدّم فنه الخاص، من خلال خطٍّ تشكيلي اتخذه لشغله البصري والبحثي معاً، وأعتقد أن قلة قد ينافسونه في ذلك..
يطرح أمام مشاهديه جمالية لوحته التشكيلية الجديدة، التي وصل من خلالها إلى غنائية الموروث الشرقي والعراقي بالذات.

فهو يستثمر بوعي التحويرات التعبيرية، التي تكسر حدة المدارس الفنية بحشد الحركة الإيقاعية المتصاعدة والمعبرة عن الحرية العاطفية في التعاطي مع الجوهر التكويني والتلويني.. وكما يقول ماتيس: «إن النظر هو بالفعل عملية إبداعية تتطلب مجهوداً»  فان أعمال (سعدي داوود) تتطلب وعياً حداثوياً للنظر إليها بشكل مغاير.

فاللوحة تحفل بمجموعة من الأفكار قد تبدو واضحة ومباشرة، لكنها تنحشر وبشكل غير مباشر بتشكيلات الخيال، لتجد لها نظائر متحركة في فضاء المتخيل، وتصب فيه أحلام الطفولة عبر قنوات عناصرها الشقاوة واللعب والمشاكسة والأسئلة والتمني والأحلام.

يوسع مداها بحدس المتخيل قد يصل حد السذاجة أحياناً، والتي تحرك لمشاعر فاعلة مثل الأحاسيس والمتعة والدهشة، ويقدمها كايقونات سحرية بهدف اجبار الزمن على الوقوف على رجليه من أجل أن يمشي متمهلاً الى الوراء وإلى الأمام كيفما أراد.

فالطفولة في أعماله رائحة وللزمان والمكان وجود وللفكرة معنى ورمز، كلها قواسم مشتركة يطرحها الفنان كرسائل مجفره توقد وتستفز الوعي الجمعي كي يغري المشاهد على إعادة التذكر من دون أن يدخل في إشكالية فوضى الخيال والذي نراه اليوم في أغلب أعمال الفنانين ممن لا يرتكزون بأعمالهم إلى وعي اللحظة التسجيلية الواعية فكما يقول غوته ((لا شيء أفظع من خيال بدون ذوق)).

إن (سعدي داوود) يتقصد أن يقدم للعالم تجربته على إنها جزء من تجارب الآخرين من دون إغفال لمصدر الإبداع الحقيقي الذي هو الموروث العراقي المتفرد.
*ناقد تشكيليّ عراقيّ مقيم في لندن





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  محسن الذهبي


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
ENANA.COM