... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
الآن وقد سقطت كل الجسور: سبعون سنة من الحداثة الفنية العربية لم تعد نافعة!

فاروق يوسف

تاريخ النشر       04/12/2011 06:00 AM


أعرف ان الحوار في العالم العربي مقطوع. بين الأجيال، كما هو الحال بين الفئات والطبقات الاجتماعية. بين الأجناس الفنية مثلما بين الاطعمة. ليس ثمة أمل.

الكراهية تنشر أشباحها وكل يد تمتد إلى الآخر يمكنها أن تصل مقطوعة. كان الفن في لحظة سهو تاريخي فضاء يجمعنا. صار الفن اليوم هو الاساس الذي يصنع لفرقتنا جوهرها الخالد. لم تعد حراسة معنى الجمال لتهم أحدا. تبدلت الأجندات كما لو أنها ياقات يابسة. سيكون علينا أن ننظر إلى الشغف الروحي باعتباره مسا، إلى الولع بالايقاعات الخفية باعتباره رذيلة، إلى البحث عن النبرة الإنسانية داخل الصوت باعتباره نوعا من التطفل المريض. لا أشعر باليأس ولم يمس الضجر أصابعي بعد، بقدر ما أنا خائف من أن نكون جميعا قد فقدنا القدرة على تحديد الاتجاهات والنظر إليها عن بعد. ما من بوصلة. نحن جميعا نسير على الطريق التي لا تؤدي. ولكن إلى أين؟

يدفعني القلق النقدي إلى معاينة أحوال الأطراف كلها. وفي ذلك عناء وشقاء كبيران.
مع الحرص على استبعاد فكرة التوازن عن خيالي. أعرف أن كل توازن هو الكذبة بعينها. الاعتدال كذبة. في الفن كما في الحياة. كل الاطراف تشعر بالهلع، غير أن هلع اليوم لا يُحرك ضميرا. لا يصل إلى هناك، حيث الهدف من الفن. لقد صار طبيعيا أن يتم عزل الفن عن كل ما يقع خارجه وبالأخص وسطه الإنساني. هلع السوق صار اساسيا في مسألة التفكير في الفن.

هنا تقع القطيعة تامة.

لدى الكثيرين موقف مراء من الفنون الجديدة. موقف فيه الكثير من النفاق الثقافي. كما أتوقع فان السنوات القليلة المقبلة ستشهد تدهورا لافتا في علاقة جمهور العروض الفنية بالصالات التي سيكون عليها أن تتبنى فن اليوم في صيغته الاستعلائية. فن القوة الاملائية. ما يجعلني أتوقع ذلك ينبعث من قناعة مفادها ان القاعات نفسها لم تعد ترغب في حضور الجمهور، إلا باعتباره ديكورا غير ضروري للفضيحة.

حتى نقاد الفن لم تعد لوجودهم ضرورة تذكر، إلا في حدود نشاط دعائي مدفوع الثمن.

الفنانون أنفسهم لا يفكرون بمصير الفن، بقدر تفكيرهم بمصائرهم الشخصية. بنفوذهم المستلهم من مكانة المتاحف والبينالات والقاعات التي ترعى أعمالهم.

'لن نذهب إلى الأسوأ' جملة لن يقولها أحد. لأن الأمور في رأيي ستذهب إلى الأسوأ.
ولكن العلاقة بالفنون المعاصرة، هل ستكون حكرا على القاعات في هذه الحالة؟
علينا أن نبحث في خبايا سؤال من هذا النوع.

ألأننا لا نعرفها، ألأنها اختراع غربي، ألأن حضورها صار مرتبطا بتمويل تقف وراءه جهات أجنبية، صار علينا أن نقف ضدها؟ الفنون المعاصرة تسللت إلى ما تحت اللسان في التفكير، بين كلمة وأخرى مثل لعثمة طارئة، وها هي تتصدر واجهة المشهد في غير مدينة عربية، وفي مقدمتها مدن التقاطع الاقتصادي مثل دبي. ولو تفحصنا ذلك الحضور جيدا لرأينا ما يخالطه من سلوك فوقي، استعلائي، يذكر بمشاهد مقتطعة من أفلام رعاة البقر، المافيات الايطالية، الغزوات الاسبانية الأولى. كما لو أننا نرى غزاة منتصرين.
'هذا هو الفن'

مَن قال ذلك؟ المرجعية هنا غامضة، ملتبسة. مزيج من اراء صحافية، مشورات رجال أعمال مؤقتين، شركات دعاية، مقابلات تلفزيونية مقتضبة وأخبار المزادات. هناك في ما يرجح كفة هذا النوع من التقنية الفنية التي لا تزال موضع تساؤل لغة تتجاوز الانجاز الفني لذاته، وموقع ذلك الانجاز في سياق شروطه التاريخية. لغة تمتنع عن النظر إلى ديمومة المنجز الفني وإلى أثره الإنساني. وكما أرى فان تلك اللغة صارت تلعب دور الحاجز الذي يمنع تداول الكثير من الأسئلة الملحة. لغة تطيش بعدها الأفكار. تتوزع النظرات بين أماكن مختلفة ولا تقع على العمل الفني، باعتباره مركز الحدث.

لأكن صريحا أكثر: تلك اللغة هي لغة استقواء. قوتها تنبعث من الفم لا من الدماغ.

وكما أرى فان تلك اللغة المتثاقفة، وقد سبقها سلوك استعلائي يُعلم ولا يتعلم، قد شكلا عنصري استفزاز ساهما في احداث مزيد من القطيعة، مزيد من النفاق.

يعترض البعض بطريقة هامسة، هي التعبير الأمثل للخوف الذي دمر أجزاء حساسة من قدرتنا على صنع ثقافة حديثة. 'تلك الفنون لم تنبعث من قلب التجربة المحلية' أي أنها فنون وافدة ومستوردة. ولكن ما المقصود بالتجربة المحلية؟

ما من توضيح. فلا أحد يتكلم. لا أحد يكتب. وهو نظام ثقافي يحكمه النفاق.

من وجهة نظري فان هناك من يعتقد ان المساومة لا تزال ممكنة. نقتسم البلد: نصفا لكم ونصفا لنا. وهو اعتقاد بالرغم من جوهره النفعي المنافق، لا يمكن أن يقود إلى نتائج مضمونة. أعرف ان الطرف الغالب لا ينظر إلى ذلك الاقتراح إلا بسخرية. والمشكلة بالنسبة لي لا تقع في صراع نفعي من هذا النوع، بل في المساحة الثقافية الغائبة التي كان من الممكن أن تكون فضاء يجمع بين الفرق والملل الفنية المتناحرة. ربما يعنيني التوقيت أيضا. سأعود الى التاريخ القريب. لقد حدثت التحولات بما يشبه الصدمة. فجأة انقلبت مؤسسات تقليدية على نفسها. حين قرر بينالا الشارقة والقاهرة التخلي نهائيا أو جزئيا عن فني الرسم والنحت (اللذين صارا تقليديين) واعلنا انحيازهما الكامل إلى الفنون المعاصرة، لم تعبر الثقافة العربية عن استغرابها لهذا القرار ولم تتفاعل معه ايجابيا. كما لو أن ما حدث في القاهرة والشارقة قد وقع في كوكب آخر. لم يكن الموضوع يتعلق ببضاعة تجارية يمكن استبدالها بالجيل الأحدث منها، بل كان يتعلق بنشاط تنتهي إليه مقومات الهوية الثقافية كلها.

لطالما غفونا على تل من الأخطاء، وهو ما جعل الحذر مستبعَدا.
الآن صارت عروض الفنون المعاصرة واقعا، لا بسبب قبولها واستيعابها من قبل المشهد الثقافي، بل لانها استطاعت أن ترفس ذلك المشهد وتقف في الواجهة من غير أن تحتاج إلى تزكية من أحد. ومن خبرتي الشخصية فان أحدا من فناني هذا التيار لا يفكر بالحصول على شهادة من أحد. لا من الجمهور ولا من نقاد الفن. الاسطورة تكفي. لذلك فان القاعات الفنية لم تعد في حاجة إلى جمهور، ولا إلى (خدمات) الكتاب المستأجرين. هناك صفقات تتم في الخفاء، في إمكانها أن تحل المشكلات المالية المتوقعة. نحن نتحرك في عالم افتراضي، صارت القاعات الفنية جزءا منه. وليس غريبا في مثل هذا الوضع، ان لا تمتلك تلك القاعات إلا في ما ندر أي علاقة مع الواقع الثقافي. لديها ما يكفيها من الخيوط التي تصل إلى أصحاب رؤوس الأموال من الرعاة الممولين ومن المقتنين مجهولي الهوية.
'ما نفع الفن إذاً؟'
'لا شيء'

هنا نصل إلى لحظة العدم. لم تعد تجربة سبعين سنة من الحداثة الفنية العربية نافعة في شيء. ذلك لأنها صارت جزءا من الماضي. اما ضربات الـ(بوكس) الما بعد حداثوية التي صرنا نتلقاها من كل جهة فانها لا تترك لنا فرصة للتفكير. ولكن مهلا، مَن قال ان التفكير في الفن لا يزال مطلوبا؟

معادلة خيالية وصلنا إليها، لأننا في لحظة استلام الرسالة كنا غائبين. كان التحول كما قلت عظيما يوم التفت بينالي الشارقة إلى الفنون المعاصرة وحده، من غير أن يستند إلى قاعدة ثقافية محلية. يومها مرت المياه تحت الجسور. الآن وقد سقطت تلك الجسور لم يعد الحديث عن أطلالها مجديا.
' شاعر وناقد من ا لعراق يقيم السويد





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni