... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
حين يتحرر الرسم من الجدار

فاروق يوسف

تاريخ النشر       08/09/2007 06:00 AM


حين يتخلى الرسام عن الجدار حيزاً لتعليق لوحته، فإن ركناً مهماً من أركان عملية العرض الفني ينهدم ويزاح بعيداً. فالجدار في صفته محيطاً أبيض (غالباً ما يكون كذلك)، انما يشكل وجوده امتداداً للفضاء الذي تتخيله اللوحة. في المعنى الذي يهب من خلاله الجدار عين المشاهد فرصة للتأمل المريح. أما حين يلغى الجدار، فإن المتلقي يفقد تلك الراحة ويضطر الى البحث عن أساليب جديدة للنظر. وهو ما يسعى اليه عدد من الفنانين الجدد، الذين يجدون في اقلاق راحة المتلقي نوعاً من الحث في اتجاه القبول بقواعد الجماليات الجديدة، وهي جماليات لا تتيح للمتلقي العودة إلى ما يعرفه عن الفن، بل تلقي به في تيه معاناة ذوقية مضافة. فحين يقف المتلقي ازاء لوحات، ألقيت على الارض فإنه لا ينشغل في البحث عن معنى ما تضمنته تلك اللوحات من اشكال، بل يحرص على أن يستوعب الدرس الجمالي الجديد. ذائقة المتلقي تعيش في هذه الحال نوعاً مختلفاً من التحدي، ترعاه العين قبل العاطفة. كان كارل اندريا (أميركي من مواليد عام 1935) يلقي بأعماله على الأرض، في قاعات العرض الفني كما في الشارع. وهي أعمال مصنوعة من رقائق مواد معدنية مختلفة. فكانت تلك المواد ذريعته التي تسمح له في التحرر من الجدار، على رغم أن أعماله هي في معظمها ذات بعدين، أي أنها أشبه باللوحات. غير أن نوع المادة المستعملة جعله في منأى عن التزامات الرسام. لقد كان اندريا يتصرف بصفته نحاتاً، ولذلك اعتبرت أعماله تلك منحوتات على رغم أن ذلك التصنيف ظل مجازياً. وكما أرى، فإن محاولات اندريا تلك هي التي شجعت عدداً من الرسامين المعاصرين على عرض أعمالهم على الأرض، بصفتها فضاء تخييلياً.
لم يسع الرسام ادريان زيجيس (ولد في زيورخ عام 1959 ويقيم الآن في جنوب فرنسا) الى الاستفادة من محاولة اندريا، فحسب، سعى أيضاً إلى تطوريها والاشادة بها بطريقة شديدة التوحش. صحيح أنه عرض بعضاً من أعماله بالطريقة المتأنقة التي يتبعها الفنان الأميركي، غير أنه في معظم الحالات كان يلجأ الى الالقاء برسومه الورقية على هيئة ركام على الأرض، ركام هو أشبه بتل صغير متحرك، لا يزال في امكانه أن يحتل مكاناً أكثر سعة، الأمر الذي يشعر المتلقي بأن تلك الرسوم تسعى الى التهامه، إلى الذهاب به رهينة إلى الينابيع التي تصدر عنها. مع اعمال ادريان هذا لا يرى المتلقي شيئاً من القاعة سوى الأرض، ذلك الفضاء الذي يحاول أن يتقيه وهو يحيل خطواته الى ايقاعها الموسيقي. ألوان ادريان وهي تسيل على الأرض انما تستدرك خطأ قديماً، عمره آلاف السنين، ذلك الخطأ الذي كان يجبرنا على النظر إلى الرسم أفقياً. لا يصنع ادريان من خلال طريقته الجديدة في العرض اسلوباً في النظر فحسب، بل انه يهبنا أيضاً نوعاً من الحركة التي تدفع أجسامنا إلى المشاركة في اكتشاف وعي جديد لجماليات حيويتها المفاجئة. تجعلنا تلك الأعمال ايجابيين في الانصات الى حركاتنا المفاجئة، وهي حركات نغفل عنها لو كانت اللوحات تلك معلقة على جدار. لا يهتم الرسام كثيراً في أن نرى ما رسمه فعلاً، وهو هنا يضحي بصنيعه المباشر، لا لشيء إلا لأنه يجد في اشتباكنا الايجابي بسلوكه الثوري نوعاً من الحل الجمالي، ذلك الحل الذي يبقينا على صلة بما يفكر في الذهاب إليه. ولن يكون مفاجئاً إذا ما عرفنا أن أدريان زيجيس هو رسام تجريدي، تضعه تقنيته المستحدثة في مقدم المشهد الفني المعاصر، واحداً من أهم بناته.
إذا كان أدريان زيجيس اتخذ من الأرض فضاء تخييلياً لأعماله، فإن اليوغسلافي آدم زيفنوفتش اختار الهواء مسرحاً لأعماله. أعماله المحلقة تذكرنا بدعابات الاميركي ألكسندر كالدر، غير أنها اعمال لا تكف عن السرد القصصي. وهو سرد لا يسمي الأشياء بأسمائها الصريحة بقدر ما يهبها صفات متأنية. رسوم هذا الفنان التي تستهلك هواء القاعة تصنع لحنين المتلقي مدنا خيالية، هي صورة عما يحلم به. هذا الرسام غريب يخاطب الغرباء بلغتهم، لذلك فإنه حين يركب رسومه كما لو أنها لم ترسم، فإنه يحيطنا بخيالها، ذلك الوهم الذي ينعش ذاكرتنا. هذا الرسام يجبره الهواء على أن يكون نحاتاً، وهي صفة قد لا يهتم بها المتلقي كثيراً، غير أنها تذكرنا بكارل اندريا الذي ينظر اليه تاريخ الفن بصفته نحاتاً. زيفنوفتش هو في حقيقته صانع حكايات خرافية، وهي حكايات لا يمكن أن تعوض حكمتها عما تنطوي عليه من نزعات مسلية. لذلك فإنه لا يلتفت الى كالدر المرح ولا يتماهى مع اندريا بقدر ما يشحن حيوية أعمالهما بلغة غريبة، لغة تعيدنا الى الليالي العربية، لكن بصيغة معاصرة. يرى المتلقي المشاهد التصويرية وهي تتشكل في فضاء القاعة كما لو أنها آتية من الغيب. أعمال زيفنوفتش وهي تتحرر من الجدار ولا تلجأ الى الأرض في الوقت نفسه، فإنها تنفخ في الهواء روحاً لتضعنا وجهاً لوجه امام فكرة الرسم الذي ينعتق من مادته.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni