... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
نديم كوفي في آخر ألغازه: فلس أحمر وحيد لما تبقى من أيامنا!

فاروق يوسف

تاريخ النشر       04/06/2010 06:00 AM


عند حدود الندم نقف إذاً. من قال ذلك؟ الرسام أم المصرفي أم اللص؟ كنا أربعة. يقول أبو هلال قس بن مسلم المديني الثوري البغدادي. نديم بن محسن من ضواحي الكوفة ومحمد بن حسين الصويري ورجل من بقايا زنج البصرة نام ليلته السابقة في فندق وردة الصباح. ذلك الفندق الذي لن يرى الغريب منه سوى سلمه الصاعد إلى السطح لتشبكه هناك الملائكة بوحيها الصامت. 'أين الفندق إذاً؟' كنا نمشي الهوينا ونحن نقترب من ساحة حافظ القاضي حين دب الهرج وعمت الفوضى. لم يُقتل الزعيم يومها. كان أجله لم يحن بعد. سيحل ذلك الأجل بعد أربع سنوات. حدث ذلك عام 1959 وهو العام الذي سُك فيه الفلس الذي التقطه الفتى القادم من ضواحي الكوفة ليحمله في ما بعد معه إلى هولندا متفائلا به وليرسم له صورة كبيرة ويعرضها بعد عشر سنوات في لندن. أما كيف التقط نديم ذلك الفلس؟ بل كيف رآه وانحنى عليه فيما كانت الأقدام تسابق الرؤوس والعكس صحيح أيضا، فتلك حكاية سوف تروى في مكان آخر.
 
 انتهى كلام ابي هلال ليبدأ كلام بونهامز ( المزاد الفني) الذي اصطاد ذلك الفلس مرسوما وتبنى عرضه على زبائنه. ولأن ذلك الفلس صار ينطوي على قيمة خيالية فلا خيار أمامنا سوى النظر إليه بنوع من الكآبة التصويرية. بورتريه لما لا يُرى منه ومنا ومن ذلك البلد البعيد. ذلك الكائن الملقى وسط الانتيك يختصر المسافة التي تقع بين خيال الفلس وخيال الرسام. رسم نديم القفا والوجه كما يقول الدليل الدعائي. للقفا ( 140/140) سم ومثلها للوجه. مربعان يقفان الواحد إلى جنب الآخر. ( طرة كتبة) من غير واو العطف. فالطرة هي القفا والكتبة هي الوجه. لعبة للحظ المعلق مثل حمامة ميتة. ولأن العراقيين يعرفون أن حظهم سيىء فقد كانوا يراهنون على الفلس باعتباره آخر السدود بلغة السلم وآخر الخنادق بلغة الحرب. ( خلي اليلوم يلوم كلبي يحبه / شله شغل ها الناس كلمن بدربه). اليوم الأسود كان ماثلا في الدرب. قبل الجنة بشارعين. بعد وجع الأسنان بحبة اسبرين أو فص ثوم عديم الرائحة أو مشتبكا بباقة نعناع. 'تخيلت تلك الدرجة من اليأس' يقول نديم. 'وتخيلت يدي وهي تقبض على الفلس' كان الرسام قد ولد بعد تلك الحادثة بحوالي ثلاث سنوات في الكاظمية كما أظن. لذلك تجري الوقائع مجرى الخيال على الرغم من أن أساسها كان واقعيا مئة بالمئة. وهذا ما يؤكده أبو هلال قس بن مسلم الذي استسلم لقدره البغدادي إلى يوم غيابه.

2

جثة تتنفس بهدوء وريث. أمد يدي إليه. ألمسه برقة فلا يتحرك. كان مذعورا ومحطما مثلي. لقد نجونا ونجا الزعيم قبلنا. غير أن الأقدام في الكثير من أصابعها صارت تنظر إلى الخلف باعتباره غدها الموعود. لا تحب الجماهير الأحداث غير الكاملة لأنها تذكرها بما ينقصها من أدوات القياس وهي التي تسعى إلى الوصية المذيلة بختم السلطنة. إما أن يموت البطل أو يموت عدوه وإلا نموت نحن في الفاصلة العاطفية ما بين الاثنين ليظلا بطلين. في حالتنا بقي الاثنان يقفان في مواجهة جدارين معتمين من الزئبق. لا أنت أنت ولا أنا أنا ولا أنت أنا ولا أنا أنت. سيقول أحدهما للآخر في مستقبل أيامهما الحافلة بالمعجزات.
 
انزلق ماء الاسطورة إلى القنينة ثانية ولن ينقذنا سوى الفلس المفقود. 'ضع حبة تحت اللسان ستذهب الى القلب مباشرة'. يقول الغائب للحاضر والحاضر للأكثر حضورا منه. تحت قدمي الانكشاري خوار لبقرة قادمة لتوها من الريف. في مهد الطفل الذي سيتلقفه التيه بعد سنوات ايام لا تزال بيضاء. كنا نركض. ماراثون وطني بين الأزقة الوسخة. حين رأيته يلمع خفق قلبي واهتزت رئتاي. انحنيت إليه فكانت مؤخرتي عرضة للانتهاك في بلد لم يغادره العثمانيون إلا قبل سنوات وقُتل ملكه الشاب قبل سنة. هي ذي رقيتي. اصطفتني شهرزاد خليلا لوحيها في ليل لا قمر فيه ولا جوار ولا ملكات نحل. سوف اضحك لأنسى وحدتي. لم يعثر المحقق الهولندي في المطار على ذلك الفلس وهو ثروتي الوحيدة. لقد خدعته. هو ذا انتصاري الوحيد. بعد سنوات أدركت أن قشرة على ظهر سمكة نهرية هي التي أخفتني عن نظر حراس الحدود. في المطار أخرجت الفلس ولعبت طرة كتبة. ما من أحد. الفلس في يدي والعالم يضيق مرة ويتسع مرة أخرى. مرة طرة ومرة كتبة. ثروة في الهواء. وما من أرض. لذلك حرصت على أن لا يسقط الفلس. يدي اليمنى ترميه إلى أعلى لتتلقفه يدي اليسرى حين يهبط. أيتها الغيمة أنا ممسك بقطنك الذي يملأ جسدي نعاسا. نمت للمرة الأخيرة.

3

نديم كوفي في عمله ( فلس) يتماهى مفاهيميا مع فكرة خيال الصورة، حيث لا تكون الصورة محط الاهتمام الفكري الأخير بالرغم من أن كل الحمولة التعبيرية موجودة داخل تلك الصورة وفي محيطها المتخيل. ثمة واقعة تتخطى الصورة إلى دلالة الرمز الذي تحرص المفردة المستعملة في الصورة على تمثله ورعاية حيويته الكامنة. كوفي يحضر الشيء لذاته مثلما التقطه من الواقع، غير أن ذلك الشيء ليس حجرا محايدا بالنسبة للرسام، بل هو لقية روحية مستعادة. لذلك فان صورته تنطوي على معان كثيرة، القليل منها حسي فيما ينتشر الكثير منها في أثير يستدعي سعته كلما اتسع مجال النظر إليه. سيقول لنا نديم أن الفلس هو ثروته الوحيدة. لن نكتفي. سيقول لنا انه يضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم. لن نكتفي. سيقول لنا أن كل ما يهمه بعد كل هذه السنوات التي قضاها بين المنافي أن تقع خطوته على أرض ما ويكون لها أثر هناك فنصدقه. يقبض على الفلس وهو يرينا صورته بالأصباغ الزيتية. لن يفتح يده لئلا تسقط تميمة حظه. أمه هناك. المرأة التي أودعت في صدره طفولة ماض سيكون وفيا له اينما ذهب.
 
 رمانته هناك. تلك الثمرة التي انتشرت حبتاها لتبشر بإرث أحمر امتد خيطه الناعم بين نخلتين وبين كآبتين. لن يرضى ذلك الطفل بعودة طائرته الورقية ممزقة. سيقف في انتظار اعتذار الهواء. يقدم نديم فلسه باعتباره لقية متحفية. بكل مهابة الأثر. بخفة ما لا يمكن القبض عليه من تجليات الروح. هناك حزن عميق لن يدركه أحد. حزن لا يشكله الفقد وحده، بل هناك اللغة التي يشكل اللوم واحدا من أهم عناصرها. شبح يعزف عن الغناء وآخر يدير ظهره للملاك في لحظة احتضاره. لا بأس. لكن تاريخيا هل يمكننا قراءة عمل نديم كوفي من جهة كونه تنديدا ثوريا بما انتهى إليه الرسم في العالم العربي؟ في اللغة هناك صفة ( مفلس) وهي مشتقة من الفلس.
 
 غضب نديم هو جزء من أخلاقه الفنية المتمردة. صحيح أنه منذ عقدين أو أكثر لا يعتبر فنه جزءاً من المشهد التشكيلي العربي لاعتبارات خاصة به، غير أنه واقعيا يتابع بأسى ما انتهى إليه الفنانون العرب من نتائج مؤسفة على صعيد الانتحال والتزوير واسترجاع الماضي. ربما جاء هذا العمل ليحقق هدفا مزدوجا. من يدري؟ شغب نقدي يمزج العاطفة الصافية بتمردها الذي يتوزع بين جهات مختلفة.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni