... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
ما بين القطة وموائها: رسامون ليسوا رسامين والرسم العربي في حالة انحطاط

فاروق يوسف

تاريخ النشر       16/04/2010 06:00 AM


حسنا. حركة الرسم في الوطن العربي تتراجع. الكثير من الحراك الفني الذي تشهده قاعات العروض لا يعني أن الأوضاع صحيحة. قاعات فنية كثيرة. هذا صحيح. السوق الفنية ناشطة رغم الركود الاقتصادي. هذا صحيح. لكن السوق ليست مؤشرا لحيوية الفن، بل قد تكون علامة محيرة تشير إلى نوع من الانتكاس. نادرا ما كان هناك أصحاب قاعات عرب لا يهتمون بالذائقة الجمالية المكرسة اجتماعيا وثقافيا. وأزعم أنه غالبا ما كان أولئك المعنيون بتسويق الأعمال الفنية من الاميين الذين لا يتابعون سوى أخبار أسباب رواج بضاعتهم. وفي مجتمعات فشلت فيها المؤسسات الرسمية في ادارة حركة ثقافية مستقلة وتمويلها من أموال الشعب كالمجتمعات العربية، تُرك مصير الفن كله، والرسم جزء منه، لمزاج الشارع. وهو شارع محافظ، متزمت، خائف، وغير ميال إلا للتحديث السطحي المستورد. ولذلك نرى أن التقنيات تبدلت غير أن الفكر لم يتبدل. وللأسف فنحن اليوم أشد جاهلية مما كنا عليه قبل عشرين سنة مثلا.
 
 لذلك ليس غريبا أن يتماهى ما تعرضه القاعات الفنية من أعمال مع الرغبة في التزويق والتزيين والحذلقة الخارجية التي هي عبارة عن نفاق ثقافي. لقد سقط الجميع إلا في ما ندر في مصيدة ذلك النفاق. في كل مدينة عربية أذهب إليها أرى رسوما هي تجسيد لرغبة عميقة في الضحك على الناس وسرقة أموالهم. فهي رسوم تقليدية، زائفة، لا تمت إلى الإبداع والحرية بصلة. رسوم تكتسب قيمتها من شائعة يطلقها صاحب قاعة مستفيد أو أحد الأثرياء المتنفذين ممن يجدون في تلك الرسوم شيئا من التسلية أو تربطهم برسامها علاقة من نوع ما. وكلها رسوم زائلة، لا قيمة فنية أو تاريخية لها. رسامون مؤقتون لا يمكنهم أن ينتجوا رسوما تبقى. أذهب إلى مدن عربية عديدة وأدخل إلى قاعات العرض فلا أرى ما يشجعني على الاستمرار في النظر. غالبا ما أشعر أن تلك الرسوم مستعارة من الماضي، لكن بطريقة قبيحة، يغلب عليها التزوير. الرسام الآن يزور موقفه الجمالي حين يقرر أن يكون الربح المادي هدفه. الاسوأ من ذلك أن يقرر شخص ما أن يكون رساما من أجل أن يعتاش. وهذا ما صار يحدث كثيرا.

2

الرسم في الوطن العربي يعيش أوضاعا مزرية فعلا. لا لأننا لم نعد نرى جديدا يستمد جدته من قوة الهام مبارك بجرأة مغامرته، فهذا أمر صار بعيد المنال في ظل ريبة اجتماعية بدور الثقافة الحديثة بشكل عام ووظيفة المثقف بشكل خاص، بل لأن الرسم صار مهنة لمن لا يعرفون ما الرسم وما الذي يجب أن يجيد الرسام عمله. في الماضي كنت امزح مع أحد الأصدقاء، وكان مصرا على أن يكون الرسم خيار حياته ومصيره وكان صادقا، قائلا: ' إذا كنت يا صديقي لا تجيد رسم قطة، فكيف في إمكانك أن ترسم مواءها؟' وكنت أقصد الانتقال من الرسم المدرسي إلى الرسم الحديث. الآن معظم الرسامين لا يتقنون رسم تلك القطة، على الرغم من أنهم يدعون القدرة على رسم موائها. كان هيثم حسن وهو نحات عراقي جيد يقول بسخرية: ' أنا أبيع إلى الرسامين أساليبهم'، وهو يقصد الكتب الفنية التي كان يبيعها إلى الرسامين من زملائه والذين كانوا يستخرجون اساليبهم مستنسخة من صور الأعمال الفنية المنشورة في تلك الكتب.
 
 لقد تأثر كثير من الرسامين بالرسام الاسباني ( تابيث) من غير أن يروا لوحاته مباشرة. اكتفوا بصور تلك اللوحات منشورة في المجلات والكتب وساروا على نهج غموضها. كذلك الأمر بالنسبة لتأثير الامريكي روبرت راوشنبرغ. كانت الامور تتم بطريقة غير معقولة، ومع ذلك فقد كان المتأثرون وهم فئة محرومة من السفر يعرفون ما الرسم، أي أن دافعهم الى التأثر بمثل تلك الطريقة البائسة والفقيرة والتي ينقصها الخيال كان ابداعيا. اليوم نواجه بشرا من طراز مختلف، بشرا ليست لديهم أية نوايا حسنة إزاء ما يفعلون ولا إزاء من يتلقى أفعالهم بطوية حسنة. إنهم مدربون على الخديعة الفكرية والميدانية. يتلصص احدهم على ما هو رائج ومربح فيبدأ في استعارة أجزاء منه غير أنه سرعان ما يبتلعه كله ويعيد صناعته لينتحله كاملا ويحيله إلى نفسه. أعرف عشرات الرسامين العرب الذين يرسمون بطريقة واحدة. مَن سبق مَن؟ لا أحد يعرف. النقاد عاطلون. هل هناك نقد فني في الثقافة العربية المعاصرة؟ أشك في ذلك.

3

حين غزت المزادات الفنية العالمية امارة دبي وقع الكثيرون في سوء فهم غريب. بسبب الجهل بآلية عمل تلك المزادات ونياتها المبيتة ظن الكثيرون أن مزاجا اقتصاديا جديدا سيشكل قاعدة للتعريف بسوق الفن في المنطقة. وتناسوا أن المكان الطارئ لا يجذب إلا عمليات تجارية طارئة. فلا دبي مكان عُرف بتأريخه الفني ولا ساوثبي وهو مزاد للعاديات الفنية ( الانتيك) بضمنها اللوحات يفكر في صنع سوق فنية على أرض ثقافة مستقرة. نسر غريب ينهش فريسته بسرعة ويمضي. سوقت تلك المزادات لوحات رسمها عرب وايرانيون وباكستانيون لرجال أعمال يحملون جنسيات الرسامين أنفسهم. ما الجديد في الأمر؟ لا شيء سوى أن المزادات أطلقت أسعارا وهمية تتناسب مع أرباحها المقررة سلفا. فهل في إمكان فنان اماراتي مثلا أن يبيع لوحته بربع مليون دولار خارج اطار تلك الحفلة المفتعلة؟ ليس علينا أن نصدق أكاذيب المزادات.
 
 لو كانت تلك المزادات صادقة في الأسعار التي فرضتها في دبي لحملت تلك الاعمال معها إلى أوروبا وأمريكا. ومن اللافت أن تلك المزادات لم تتبن في الغالب إلا أعمالا زخرفية ولوحات خط عربي، عادة ما يصنفها الغربيون ضمن مجال الفن التطبيقي. في الحقيقة صنعت تلك المزادات سعارا جديدا أضيف إلى السعار التجاري السائد محليا والذي أخذ الفن في العالم العربي إلى مواقع مربكة تبدو العودة منها مستحيلة. شيء عظيم مما يسمى الفلكلور تسلل إلى الرسم وصار جزءاً عضويا منه. صار الرسام صانعا.
 
 وفي الطريق إلى صنعته صار خادما لمن يهوى صناعته. أتذكر باحترام واكبار تجربة المغربي فريد بلكاهية. استعمل الفنان الجلد والحناء ( وهما نتاج حياة مغربية مباشرة) ولكن خارج سياق الفتنة الشعبية. ابتكر هويته ليصل إلى مفهوم مختلف للرسم الحديث. الآن يبدو الرسم في العالم العربي غارقا في مستنقع لا أمل في حركة مياهه. مفردات يقال أنها تراثية ( تراث مَن؟) تتكرر وكأنها لازمة نشيد وطني ممل. أعرف رساما مهذبا صنع قوالب لمفرداته ( التراثية) يلجأ إليها من خلال تغيير مواقعها في كل لوحة جديدة يصنعها. الحكاية يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية. لن يتعافى الرسم في العالم العربي من أمراضه. هناك رسامون كبار. هذا صحيح. يمكنني أن أذكرعددا منهم: رافع الناصري، عمر خليل، حسين ماضي، محمد المليحي، ضياء العزاوي وآخرين. غير أن كل هذه التجارب لا تشكل إلا جزرا معزولة في بحر من السوء.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni